9/29/2026
تظل الدراما والسينما المصرية زاخِرة بالأسماء التي تركت بصمات لا تمحى، ويأتي المخرج والسيناريست الكبير رأفت الميهي في مقدمة هؤلاء المبدعين الذين غيروا وجه الشاشة الفضية والدراما التلفزيونية. استطاع الميهي عبر مسيرته الحافلة تقديم لون فني فريد يمزج بين الكوميديا السوداء، والفنتازيا، والواقعية السحرية، مما جعل اسمه علامة فارقة في تاريخ الفن العربي.
ولد رأفت الميهي عام 1940، وحصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية، قبل أن يقرر دراسة السيناريو في معهد السينما. بدأ شغفه المباشر بالفن السابع ككاتب سيناريو قادر على عرض الجراح الاجتماعية بأسلوب ذكي ومثير للجدل.
كانت بدايته القوية من خلال التعاون مع المخرج الكبير كمال الشيخ، حيث قدّم سيناريوهات لأفلام صُنفت ضمن كلاسيكيات السينما المصرية، مثل:
غروب وشروق (1970)
أظهر الميهي في هذه الأعمال قدرة فائقة على تقديم القضايا السياسية والاجتماعية في قالب درامي متماسك يعتمد على التكثيف والرمزية الشديدة.
لم يكتفِ رأفت الميهي بكتابة النص، بل أدرك أن رؤيته الفلسفية تتطلب تحكماً كاملاً بالصورة والعدسة. انتقل إلى الإخراج في ثمانينيات القرن الماضي، ليدشن مرحلة سينمائية جديدة ارتكزت على ما يُعرف بـ الفنتازيا الاجتماعية أو الواقعية السحرية.
اتسمت تجاربه الإخراجية بكسر الأنماط التقليدية والتمرد على البناء الدرامي الكلاسيكي، حيث استخدم الفنتازيا كأداة لتشريح الموروثات الفكرية والتشوهات الاجتماعية والسياسية بطرح ساخر وغير مسبوق.
قدم رأفت الميهي سلسلة من الأفلام الخالدة التي جمعت بين الإمتاع الجماهيري والعمق الفكري، ومن أهمها:
للحب قصة أخيرة (1986): عمل درامي وإنساني عميق يسلط الضوء على الصراع بين الموت والحياة والإيمان.
ثلاثية المرأة والمجتمع (السادة الرجال، سمك لبن تمر هندي، سيداتي آنساتي): تناولت هذه السلسلة قضايا الهوية وصراع السلطة بين الرجل والمرأة في إطار فنتازيكوميدي جرئ.
لم تقتصر إبداعات رأفت الميهي على الشاشة الكبيرة، بل امتدت رؤيته المتميزة إلى الشاشة الصغرى من خلال أعمال درامية بارزة؛ يأتي في مقدمتها مسلسل "وكالة عطية" (عرض عام 2009).
الإنتاج:
القصة والرؤية الفنية: المسلسل مأخوذ عن رواية الأديب الكبير خيري شلبي، وقام رأفت الميهي بكتابة السيناريو والحوار وإخراج العمل.
البطولة والموضوع:
لم يقف عطاء الميهي عند حدود التأليف والإخراج، بل امتد لتدريب الجيل الجديد من السينمائيين؛ حيث أسس أكاديمية رأفت الميهي للسينما لتكون مركزاً تدريبياً مستقلاً يخرج كوادر جديدة في مجالات الإخراج، السيناريو، والتصوير.
رحل رأفت الميهي عن عالمنا عام 2015، لكنه ترك مدرسة فنية قائمة بذاتها في السينما والدراما المصرية، تذكّرنا دائماً بأن الفن ليس مجرد تسلية، بل هو أداة للتفكير الحر، والتمرد الذكي، والابتكار المستمر.